|
هذا الموضوع ألقي في لقاء الإكليركيات في لبنان يوم السبت 1-3-2008 .ونشكر الكاتب الذي زودنا بهذا الموضوع وهو رئيس تحرير مجلة صدى المشرق التي تصدر عن ابرشية الكلدان قي بيروت.(نور الشرق).
وقفة تأمل في مأساة المسيحيين العراقيين
العميد ميشال قس دنو
لبنان
يسعدني ويشرفني ان اشارك معكم في وقفة تأملٍ في مأساة العراقيين المسيحيّين، واسمحوا لي ان ابدأ بتسليط الضوء بإختصار على ماضي هذا الشعب المسيحي وعذاباته، وصولاً الى الازمة الاخيرة التي تكاد تنهي وجوده في العراق.
إخوتي الاحباء،
يذكر بولس الرسول أبطال الإيمان "الذين ذاقوا الهزء والسياط حتى القيود والسجن. رُجموا. ماتوا بحدّ السيف. تشرّدوا في جلود الغنم والمعز. معّوزين. تاهوا في البراري والجبال والمغاور وكهوف الارض... ولم يقبلوا النجاة ليحرزوا قيامة افضل".
واما اليوم فالمؤمنون في العراق يتعرّضون لإضطهاد وممارسات تشبه تماماً وصف بولس الرسول، وإن في ظروف وبوسائل مختلفة.
اليوم اخوتي، وفي هذه الاثناء بالذات، فيما نحن جالسون ههنا، تُهدَّد وتهجَّر عائلات مسيحية من العراق. اليوم، كما في كل يوم، وفيما العالم يكمل مسيرته، منشغلاً بهمومه الاقتصادية والسياسية، يُقتـَل المسيحيون في العراق من دون ان تتصدَّر اخبارهم الصفحات الاولى في الصحف، لا لشيء إلا لأنهم مسيحيون شرقّيون، وهذا قدرهم: ان يموتوا بهدوء وسكينة من دون ان يزعجوا احداً.
ولكن ان نسي العالم من هم هؤلاء، علينا نحن المسيحيّون اللبنانيون والشرقيّون ألاّ ننسى. انهم من اوائل من اعتنق المسيحية، منذ ان بشّرهم القديس توما الرسول في بلاد ما بين النهرين. كنائسهم الاولى تعود الى القرن الثاني ميلادي. ولغتهم التي ما يزال معظمهم يتكلمون، هي الآرامية، لغة المسيح.
ولقد عانوا الاضطهاد على مرّ السنين، منذ زمن بعيد. بداية على يد الفرس الذين اتهموهم بالولاء لروما المسيحية، وبالتالي صنَّفوهم اعداءً للملكة الفارسية. والتاريخ اللاحق حمل لهم المآسي الواحدة تلو الاخرى.
في الخلاصة، وبنتيجة المحن المذكورة، انخفض عدد المسيحيين في بلاد الرافدين الى حوالي الثمنماية الفاً عشية الحرب التي انهت حكم البعث. بعدما كان يقارب المليون ونيّف منتصف القرن الماضي.
هؤلاء انفسهم كانت تنتظرهم مأساة جديدة، لدى اندلاع الحرب على العراق عام 2003، فكانت درب آلام تضاف الى مسيرة الأجداد.
عمليات الاضطهاد وتهجير المسيحيّين:
بعد اقل من سنة على بدء الحرب وسقوط نظام البعث بدأت الممارسات ضد المسيحيّين في العراق. وفي حين لم تعلن جهات متطرّفة بشكل علني وواضح مسؤوليتها، او تدعو الى الجهاد ضد المسيحيّين، قامت مجموعات صغيرة، سنيّة في البداية، ومن ثم شيعية ايضاً منها عناصر في جيش المهدي، بإستهداف المسيحيّين واماكن عبادتهم. واعطيت الحجج لتبرير هذه العمليات، منها بان المسيحيّين يساندون الجيش الاميركي، او انهم يقومون بنشاطات منافية لمبادىء الاسلام. وفي بعض الحالات نُشرت فتاوى محليّة، تجيز اضطهادهم، لم تكن دائماً واضحة المصدر.
ولقد تضمّنت الحملة ضد المسيحيين اعمال تخويف، اذلال وتهديد، ثم تطورت الى عمليات خطف، طلب فدية، وحتى تعذيب. وصولاً في آخر المطاف الى اغتيالات، تدمير منازل واحراق ممتلكات. ولم توفّر الجسم التربوي، اذ هوجم التلاميذ في الجامعات في بغداد والموصل، واختطف الاساتذة. ( ومعنا اليوم احد ضحايا عمليات الخطف هذه ).
بيد أن هذه الاعمال التي وقف وراءها افراد او مجموعات صغيرة، مستفيدين من الفوضى المستشرية وغياب اي رادع، ترافقت مع ضربات اكثر ايلاماً، اهمها العمليات المنسّقة والمتزامنة باستهداف كنائس، رجال دين
مسيحيّين، مدارس واديرة، بسيارات مفخّخة او عبوات... وايضاً بعمليات اغتيال منظّمة، مما يحمل بصمات مجموعات ارهابية محترفة مرتبطة بتنظيم القاعدة ولم تكن مناطق الشمال التي التجأ اليها المهجّرون المسيحيّيون بمنأى عن هذه التفجيرات التي استهدفت في قسم منها رموزاً وتجمعات مسيحية.
وجاء في هذا السياق نداء المطران لويس ساكو في شمال العراق في ربيع 2007، ليصف حقيقة ما يجري بكل جرأة، اذ قال: "يموت المسيحيون وتزول الكنيسة، بفعل الاعتداءات، التهديدات واعمال الارهاب. لا خيار متبقّي سوى الاسلمة او الهجرة".
اما محصّلة الحملة ضد المسيحيين في العراق فلقد جاءت كالتالي: تدمير مئات المنازل وعشرات الكنائس والمؤسسات الدينية مقتل مئات المدنيّين وعدد كبير من رجال الدين نزوح خمسة عشر الف عائلة من بغداد وضواحيها الى الشمال، فلم يبقَ سوى قلّة مسيحية في بغداد معظمهم من الفقراء. وبلغ بذلك عدد الذين هربوا الى الشمال حوالي المئتي الف مسيحي، التجأ قسم كبير منهم الى عينكاوا قرب اربيل. وبعكس الاعتقاد السائد بان النزوح تمّ من المناطق السنّية فقط، فلقد شمل الضواحي الشيعية ايضاً، اضافة الى مدينة البصرة في الجنوب، حيث اجبرت عائلات عديدة على المغادرة بفعل الاعتداءات، الى درجة افراغ المدينة كلياً من سكانها المسيحيين.
لكن المأساة الكبرى تمثلت في نزوح اكثر من ثلث مسيحيّي العراق منذ عام 2003 الى خارجه ، في نزف ما زال مستمراً حتى اليوم، هو الاخطر على هذا الشعب، من بين كل ما جرى في التاريخ القديم والحديث.
النزوح وواقع اللاجئين:
التهجير الاخير يعتبر بحجمه من اكبر قضايا النزوح في الشرق والعالم، منذ سنين طويلة، والاكثر تنامياً، اذ بلغ وتيرة خمسين الف عراقي شهرياً في النصف الاول من العام الماضي 2007. حيث قدِّر عدد الذين لجأوا الى سوريا والاردن بحوالي المليونين، بينما توجّه آخرون الى ايران، مصر تركيا واليونان ولقد وصل بعضهم الى لبنان ( خلسة او بدخول شرعي) حيث يقدّر عدد هؤلاء بحوالي خمسين الفاً، من بينهم اقلّ من عشرة آلاف مسيحي. اما عدد المسيحيّين الاجمالي من بين النازحين منذ 2003 فلقد فاق 250 الفاً مما يشكل حوالي 35% من عدد المواطنين المسيحيّين في العراق عند بدء الحرب. ( مقارنة مع نسبة 10% فقط لدى الطوائف الاخرى).
ولقد اشارت كل التقارير الصادرة الى نقص فادح في الخدمات الاساسية المقدَّمة لهؤلاء النازحين، مثل الصحة وتعليم الاولاد. كما ان بدلات الايجار التي تُطلب منهم مرتفعة. ناهيك عن انتهاك حقوقهم، في شتّى الميادين، فهم يُستغلّون من قبل ارباب العمل ويُستغلّ وضعهم المادي المزري وحالتهم النفسية السيئة، في مجالات اخرى. ولقد تبيّن انه بالرغم من توفّر بعض المساعدات والمدارس التي قد تستقبل اولادهم، لا يذهب الى المدارس إلاّ قلّة من هؤلاء إذ يعمل الباقون لكسب لقمة العيش او يقبعون في منازلهم.( ثلثي العدد الاجمالي لأولاد اللاجئين المسيحيّين في لبنان، مثلاً، منقطعون عن الدراسة منذ مغادرتهم العراق).
ومن بين مجمل النازحين يلاحظ ان المسيحيّين في دول اللجوء يحلمون بمعظمهم بالهجرة الى دول الغرب، لان سبل الحياة سُدَّت امامهم ولأن الامل بالعودة الى العراق شبه معدوم. فعلى سبيل المثال تبيّن ان 44% من طلبات الهجرة في سوريا الى مكتب الامم المتحدة هي لمسيحيّين رغم كونهم يشكّلون فقط نسبة 3 – 5% من سكان العراق.
وهكذا ينتظر هؤلاء المسيحيون، معظم الاحيان من دون اوراق اقامة، الى ما لا نهاية، فلا سفر قريب وربما لا سفر ابداً، ولا بقاء في لبنان، ولا عودة الى العراق. فهم عالقون (Trapped). وفي هذا الانتظار الطويل مخاطر امراض نفسية بدأت تظهر وآفات اخلاقية واجتماعية، وربما يوماً ما اشكالات امنية. علماً بان هجرة بهذا الحجم، ان بقيت من دون معالجة جدية، سيكون لها تأثيرها الكبير على المنطقة ككل وليس فقط على بلدان الجوار واللجوء.
الآن وبعد هذا العرض عن حالة المسيحيّين العراقيين لنشاهد معاً (بالصورة ) هذا الفيلم الوثائقي الذي تمَّ تصويره في فترة زمنية قصيرة جداً، علَّه يعكس جوانب إضافية عن آلام واحوال هؤلاء المسيحيّين مما لم يقدر ان يعبِّر عنه قلمي او يوصله اليكم صوتي.
|