|
ليس في الغابة إلاّ الذئاب
الأحد الثاني بعد العنصرة
دعوة الرُسُل (متى 18:4-23)
عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف
خاص نور الشرق - لبنان
Picture at:ذئب بثوب حمَل:

http://www.salem-news.com/stimg/september102009/wolves_in_sheeps_clothing.jpg
"يا عالَمًا يحكُمُه الذئاب (...)
يأكل لحمي ثعلبُ المقابر/ تطعنُني الخناجر"
(عبد الوهاب البيّاتي)[1]
إليكم الفصل الأخير من قصة شابرون روج ذات القبّعة الحمراء التي ذهبت لزيارة جدّتها في الغابة.
"خلع الملاك أجنحته وابتسم فبانت له أنياب. قالت له: "ألستَ الملاك الذي خلّصَني من الذئب"؟ أجابها: "ليس في الغابة إلاّ الذئاب". وافترّ ثغرُ الجدّة عن ابتسامة أظهرت أنيابَها البيضاء، وتناولت الأجنحة من الملاك وأعادتها إلى الدرج قرب سريرها الوثير. ثمّ كشّر الملاك عن أنيابه والتَهم شابرون بنَهَم، والذئاب الآخرون ينظُرون. وانتهت أسطورة البراءة وزالت من الوجود ذات القُبَّعة الحمراء، النقيّة، التي ألهمت الأمهات والفتيات على مرّ العُصور".[2]
والغابة هي العالَم والذئاب أهل العالَم، على ما قال يسوع: "أُرسلُكم كخِراف بين ذئاب". وذئاب العالَم أشدّ ضراوةً. فذئاب الغاب يُسالِم بعضُها بعضًا، أما ذئاب العالم "فتنهش وتأكُل بعضُها بعضًا" (غلاطية 15:5). وهي أكثر خطورةً لأنها تستتر بثوب المودّة والبراءة والوداعة.
فذئب الغاب يُعرَف من منظرُه، أما ذئب العالَم فهو ذئب من الداخل، كما قال الربّ: "يأتونكم بثياب الحملان وهم من داخل ذئاب كاسرة" (متى 15:7). وذئب العالَم لا تُكشَف هويّتُه إلاّ حين يغدر ويَطعن بغتةً وينهش مَن خُدعوا بمظهره ووثقوا به وأحبّوه وائتمنوه على قلوبهم وذواتهم.
وقد يكون الذئب من أقرب الأقربين، كالزوج والبنت والأخ، أو من عليّة القوم، كقائد أو وزير. فمَن تنكَّر بهيئة ملاك، يتبدّى فجأةً أنه ذئب مُفترس، ومَن ظهَر حنونًا كالجدّة الطيّبة اللطيفة يتكشَّف أنه ذئب كاسر وأشدّ تمويهًا وفتكًا.
ومن أمثلة ذلك الأم مُعطية الحياة، تكشف فجأة عن أنيابها وتُجهض جنينها. وطبيبٌ رسالتُه حفظ الحياة، يكشّر عن أنيابه ويُجري عمليّة إجهاض. والمسؤول الكبير يتبيَّن أنّه خائن ومُتآمر، والحبيب يطعن حبيبه بعد سنوات، وكذا الزوج والزوجة والابن والبنت والصديق والقريب.
إنه عالَم تَحكُمُه الذئاب، حيث القويّ يأكل الضعيف بوحشيّة وشراسة، من دون رادع، وبوقاحة ومن دون حسّ أو تأنيب ضمير. فيُبيد الآخر ويُلغيه ويُدمِّره دونما مُبرِّر، بدافع الحسد والانتقام او الاستفراد بالرأي أو المُلكيّة أو الاهتمام، أو الخوف من المُنافسة على السلطة، أو لمُجرّد الاستمتاع بتعذيبه وأذيّته وإهانته واستضعافه، وإثبات القوّة الذاتيّة.
وَجَد ذئبٌ حملاً مرّة فقال له: "أنتَ شتمتَني العام الماضي ويجب أن آكُلك". قال الحمَل: "لكنّي لم أولد سوى البارحة". أجابه: "إن لم تكُن أنت شتمتَني، فأبوك شتمني. وإن لم يكُن أبوك، فجدُّك، ويجب أن آكُلك". وكان ذئب مرّة يشرب من أعالي نبع ماء، والحمَل يشرب من أسفلها، فقال الذئب للحمَل: "عكَّرتَ عليّ الماء ويجب أن آكُلَك".
http://1lf2lv.files.wordpress.com/2009/09/red_riding_hood.jpg

إنه حُكم شريعة الغاب، حيث لا قانون ولا أخلاق، بل تسود الفوضى وينعدم الحسّ والضمير. فالذئب بمَكره يلفّق التهمة فيُبرّئ نفسه ويجعل الحمَل مُذنبًا. ثمّ يرتجل قانونًا على هواه، مُضحكًا وواضحًا في بطلانه، وهنا الوقاحة! ويتذرَّع به ليفتك بضحيّته، من دون أن يُعطيه فرصة الدفاع، ودفاعُه غير مقبول لأنّ الحقّ للقويّ.
فى هذا العاَلم الوحشي لا محلّ للتفكير ولا للحوار، بل يُسحَق العقل لصالح مَن له النُفوذ والقرار. فالذئب يعتبر المُقارعة الفكريّة تحديًا وإهانة له. ويُطعَن الضحيّة في عقله وفكره ويُضطَهَد لمُجرّد أنه شكى ظُلمه وأظهر حقّه. فالعقل لا يُجدي في مُقارعة مَن سلاحُه البطش والغدر والفتك والإرهاب.
إنه عالَم يقتل الروح ويُجرِّد الإنسان من كرامته وإنسانيّته ويُميت رجاءه، ويُعامله مثل بهيمة، ليُحيله تدريجًا إلى حيوان في سيرك أو حديقة حيوانات. ويروي كافكا قصّة «غريغور سامسا» الذي يُحيله المجتمع إلى حشرة.[3] أما بطل مسرحيّة «فويزك» فيُعامله الجميع كبهيمة، ويُميتون عواطفه وآماله وأحلامه، فيفقد حواسه ليغرق في الهلوسة والهذيان ويتحوّل إلى بهيمة.[4]
إنه عالَم وحشيّ، عدائيّ، بلا روح، شديد القسوة والشراسة والسواد، مَهُول كالكابوس، لا يُضمر سوى الكراهية والغدر والدمار، ولا شفقة فيه ولا ودّ ولا رحمة، والانحطاط الأخلاقيّ هو دافع التفكير والسُلوك. إنه عالم ينحدر نحو الحضيض، حيث لا حدود بين الآدميّة والبهيميّة.
إنه عالَم "البهيمة" (the beast) أي الوحش أو الشيطان، حيث الناس "مُحبّون لأنفُسهم وللمال... شتّامون عاقون ناكرو جَميل، فُجار، لا ودّ لهم ولا عهد، مُغتابون مُفرطون شرسون، أعداء الصلاح، خائنون وقحون، أعمتهم الكبرياء، مؤثرون اللذة على الله، يُظهرون التقوى ويُنكرون قوّتها" (2 طيموتاوس 1:3-4).
وعن هؤلاء لم يقُل الربّ "ترَونهم بثياب الحملان" بل قال: "يأتونكم"، أي يستهدفونكم. والنتيجة معركة مع عالَم الخُبث والحقد والشرّ. وقوله: "هُم من داخل ذئاب" يعني أنّ الشرّير نفسه يأتي إلينا بواسطتهم؛ وبالُقابل، لم يقُل "أترُكُكم" بل "أُرسلُكم كخراف"، في فِعل مُضاد. يُريدُنا أن نذهب إليهم كما يأتون إلينا، فتحتدم المعركة، القائمة منذ بدء الخليقة.
والغلَبة في هذه المعركة "لربّنا ومسيحه" (رؤيا 15:11). ولم يُسمع قطّ أنّ حملاً غلب وحشًا. لكن بخلاف منطق البشر، "الحمَل الذبيح القائم في وسط عرش الله" (رؤيا 5:5-6) غَلَبَ الوحش والنبيّ الكذّاب والتنّين، أي الحيّة القديمة، إبليس الشيطان، وطرَحهم في بُحيرة الكبريت والنار، حيث يُكابدون العذاب أبد الدهور (رؤيا 2:20 و10).
وهو أعطى خِرافَهُ الغَلَبة أيضًا. "فالمكتوبون في سِفر الحياة، سفر الحمَل" (رؤيا 27:21) "غلبوا الوحش" (رؤيا 2:15) "بدم الحمَل وكلمة شهادتهم" (رؤيا 11:12). وهم بصبرهم وموتهم معه يحيون ويملكون معه (2 طيموتاوس 12:2). ووعدُه لهم قولُه "سأجعل الغلب يستوي معي على عرشي كما استويتُ بعدما غلبتُ مع أبي على عرشه" (رؤيا 21:3). ونحن نغلب بتمسُّكنا بإيماننا حتى المُنتهى، وصبرنا وطاعتنا للذي أحبنا وبذل ذاته عنّا.

عندها نسلك في وسط غابة هذا العالم ونحن واثقون أنّنا، مهما اشتدّت علينا التجارب، فلن يقرَبنا سوء ولن تمسّنا سهام الشرّير (1 يوحنا 18:5). لأنه "إذا كان الله معنا فمن علينا" (رومة 31:8). وإن كان "العالم كلُّه تحت وطأة الشرّير" (1 يوحنا 19:5)، فنحن غالبون به ومعه بحسب وعده: "ثِقوا، أنا غلبتُ العالَم" (يوحنا 33:16).
فيا سيِّد، مِن غابةٍ تحكُمُها الذئاب، نبتهلُ إليك. أعِدْ لهذا العالم روحه وكرامته وإنسانيّته، وَهَبه أن يرى نور وجهك، فيتحرّر من عتمته وجهله ويرتفع إليك. أيقظ ضميره وأعطه الحنان والرأفة بدل القسوة والشراسة. أحلّ فيه الحبّ بدل الكراهية، وعمل الرحمة بدل الغدر والحقد والخبث. ولتَسُد في هذا العالم شريعتك، شريعة الحياة، واكتب في قلبه ووجدانه فكرك وكلمتك، أيها الكلمة، لأنك أنت وحدك النور والحقّ والحياة، وملء النعمة وكمالُها.
أما نحن الذين حملنا اسمك فانصُرنا على أعدئنا وهَبنا أن نكون أُمناء لك حتى المُنتهى، فنُعطي رجاءك لعالمٍ ينهشُه البُغض ويُضنيه الياس، وقد شارف على الاختناق. فيعرف الجميع أنك الإله الحققيّ، الأزليّ، مُعطي الحياة وحدك، الغالب أبدًا والمالك سرمدًا مع أبيك الأزليّ وروحك القدّوس إلى الدهور. آمين.
أرسلها إلى آخَرين.
.Forward it
للحصول على العظة بالإنترنت أكتب إلى:
Fr. Antoine John Lattouf,
ajlattouf@yahoo.com - ajlattouf@hotmail.com
Greek Catholic Priest at Beit El- Sha’aar, Metn , Lebanon ,
Res. 00961-4-914331; Cell. 00961-3-803271,
P. O .Box 901, Beirut, Lebanon .
[1] ديوان عبد الوهاب البيّاتي، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، 1972، ص 336- 337.
[2] هذه القصّة من وضع كاتب هذه العظة.
[3] Franz Kafka, The Metamorphosis, 1915.
[4] علي كامل، "لماذا ينهزم العقل البشري أمام شريعة الغاب؟ الحدود الغائمة بين الآدمية والبهيمية في مسرحية لندنية"، الشرق الأوسط، 18 /12/ 2004 العدد 9517. أنظُر: http://www.aawsat.com/details.asp?section=19&article=271855&issueno=9517
|