|
"غُرفة في مُنتصف الليل"[1]
الأحد الأوّل بعد العنصرة (أحد جميع القديسين)
(متى32:10-38؛ 27:19-30)

عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف
"الساعة هي الليل بعد الليل والنصف." أنسي الحاج[2]
في مدينة أفسس ضُرب بولس وسيلا بالعصيّ وأُلقيا بالسجن لأجل عرّافة. وفي نصف الليل، وهما يسبحان الله، زعزع زلزال أركان السجن وفُكَّت قُيود السُجناء. فهمّ السجان بقتل نفسه لاعتقاده أنّ المسجونين هربوا. فقال له بولس: "لا تمسّ نفسك بسوء فنحن جميعًا ههنا". فارتمى السجان عند قدمي بولس قائلاً: "ماذا أعمل لأنال الخلاص"؟ قالا: "آمن بالربّ يسوع تنَل الخلاص أنت وأهل بيتك". ثمّ كلّماه وأهل بيته بكلمة الربّ.
وما حدث بعد ذلك يكشف امرًا في غاية الغرابة: "فسار بهما في تلك الساعة فغسل جراحهما واعتمد لوقته، واعتمد ذووه جميعًا. ثمّ صعد بهما إلى بيته فوضع لهما مائدة... وفي الصباح أمر القُضاة بإخلاءِ سبيلهما" (أعمال 22:16-35).
فبولس وسيلا جُرحا جراحًا سخينةً حين ضُربا، لكنّ السجّان لم يُداوِ جراحهما إلاّ بعدما بشّراه بكلمة الربّ، وقبل اعتماده بقليل. ما يعني أنّ الرسولَين لم يكترثا لجراحهما، وبقيا في السجن يُسبِّحان الله والدماء تنْزف منهما، والسُجناء ينظرون ويُصغون إليهما باستغراب.
وهما خاطبا السجّان ثمّ بشّراه وأهل بيته بكلمة الله، وجراحهما لمّا تزَل تنْزف! ثمّ أقام لهما مائدة ليلاً لأنهما تُركا من دون طعام، وتعويضًا عن الوهن الذي أصابهما. ما يعني أنهما حين بشّراه كانا في غاية الجوع والعطش والإرهاق والألم، والدماء تنْزف منهما.
كان بولس وسيلا مُمتلئين من الروح القُدس، وعندهما غيرة واندفاع شديدان للتبشير بالمسيح، حتى لم يكترثا للجوع والعطش والدماء التي تسيل منهما، واستمرّا يُصلّيان ويُسبّحان الله في غمرة آلامهما. ولم يكُن سؤالُ السجّان عن الخلاص إلاّ بإلهام من الروح القُدس واستجابة لصلاتهما.
وكان جوابُهُما مُلهَمًا من الروح، حتى ذهل السجّان من تبشيرهما فغفل عن نزفهما؛ ولم يغسل جراحهما إلاّ بعدما فرغا من الكلام، وقبل أن يعتمد. وهو غسل جراحهما في المكان حيث اعتمد، عند عين ماء، أي أنه كان على أحرّ من الجمر ليعتمد وينال الخلاص.
ولو تسنّى لهذا السجّان أن يرى ما لا يُرى، لأبصر على رأس بولس ورفاقه "ألسنة كأنها من نار" ولأدرك أنّهم كانوا ممتلئين من الروح القُدس، وأنهم تكلموا بما وهب لهم الروح أن يتكلّموا" (أعمال 3:2-4). هذا الروح أضرم قُلوبهم بما يفوق الوصف، "فازدروا حياتهم حتى الموت" (رؤيا 11:12) ولم يكترثوا لما يُصيبُهم من آلام؛ والروح الذي فيهم منحهم المواهب ليُضرموا قُلوب الآخَرين بمحبّة الإله، فينالو ا الخلاص.
في ضوء العنصرة فقط نفهم إنجيل اليوم، الذي يفوق الطاقة. فيسوع يطلب من تلاميذه جُرأة في البشارة، لا يُمكن قمعُها بالاضطهاد ولا بالسيف ولا بالموت: "مَن يستحي بي أمام الناس أستحي به قدّام أبي في السموات". ويطلب التجرّد الكُليّ: "مَن أحبّ أبًا أو أمًا أكثر مني لا يستحقُّني"؛ ويطلُب تكرُّسًا ونُكران ذات حتى الموت: "مَن لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقّني".
هذا التكرّس حتى الموت غير مُمكن من دون العنصرة. فبُطرس قَبل العنصرة قال ليسوع: "تركنا كلّ شيء وتبعناك، فماذا لنا"؟ لكنّه بعدما عصفت العنصرة عقله وكيانه، لم يكترث سوى لإعلان بشارة المسيح، ولو كلّفه ذلك حياته. ولم يحسب نفسه مُستحقًا أن يموت كسيِّده، فطلب أن يُصلب ورأسُه إلى أسفل!
بالعَنصرة نال الرُسُل قوّة وحكمة وجرأة واندفاعًا لا يوصَف (لوقا 48:2-49؛ أعمال 8:1) وفُتحت بصائرُهم على الأبديّة وتذوّقوا طعم الملكوت (أفسس 4:1)، "فانطلقوا يُبشِّرون في كلّ مكان والربّ يعمل معهم ويؤيِّد كلمتهم بما يصحبُها من آيات" (مرقس 20:16).
ولم يكترثوا للمهانة بل "كانوا فرحين بأنهم وُجدوا أهلاً لأن يُهانوا من أجل اسم يسوع" (أعمال 41:5). وقال بطرس الرسول: "طوبى لكم إذا عيّروكم لأجل اسم المسيح، لأنّ روح المجد، روح الله، يستقرّ فيكم" (1 بطرس 14:4). ولم يهابوا الموت بل "كانوا لا ينفكّون كلّ يوم في الهيكل وفي البيوت يُعلِّمون ويُبشِّرون بأنّ يسوع هو المسيح". (أعمال 42:5).
ويسوع طلب التكرّس الكامل والتجرّد الكليّ والإقدام الذي لا يهاب الموت لأنه يُريد لهذه القوّة التي نالها الرُسُل بالعَنصَرة أن تفعَل فعلها بدَرجة قُصوى، فلا يُضعِفَها حبّ الأهل ولا يخفّف اندفاعها خوف. لهذا تدفَّقت الشهادة من ارُسُل كالماء من الشلاّل، "فكانوا يؤدّون الشهادة بقيامة الربّ يسوع، تصحبُها قوّة عظيمة" (أعمال 33:4). ورغم تعرُّضهم للضرب والإهانة، كانوا يُردِّدون: "لا نستطيع السكوت عمّا رأينا وسمعنا" (أعمال 20:4).
وقد شاء الإله أن يستميت الرُسُل في الجهاد لأنّ رسالتهم هي خلاص العالم. فالعَنصَرة هي إعلان حرب على الشرّير وقوى الظلام. وليس ظلام هذا العالم مُسالمًا، كالظلام الطبيعيّ، بل هو عدائيّ وشرّير ومُضطهد للقدّيسين، على ما قال الشاعر: "الساعة هي الليل بعد الليل والنصف". إنه ليل شديد السواد، ومرور الوقت يزيده حلكةً وادلهمامًا.
كذلك كانت أفسس حين بشَّر فيها القديس بولُس. كان هناك ظلام الكُفر وعبادة الأوثان والعرافة وقمع كلمة الله، والاضطهاد الواقع على الرسولين. واعتقد الشرّير أنه استطاع أن يُصيِّر الرسولَين أسرى "غُرفة في مُنتصف الليل" فيثنيهما عن الشهادة. لكن قال الكتاب: "غلبوه بدم الحمَل وكلمة شهادتهم" (رؤيا 11:12).
لأنّ الرسولَين حوّلا ظلمة المكان إلى مقام لتمجيد الله وتجلّي مجده: "في نصف الليل وهما يسبحان الله زعزع زلزال أركان السجن وفُكَّت قُيود السُجناء". وتحوّل السجن المُظلم إلى مكان للتبشير بنور المسيح وقبول الخلاص؛ وهذا ما حصل في العليّة يوم العنصرة، حين كان الرُسُل يمجدون الله "فعصف من السماء دويّ كريحٍ شديدة ومَلأ البَيتَ الذي كانوا فيه"، وتحوّل المكان إلى موقع للشهادة للمسيح.
وفُتحت المعركة على مصراعيها مع قوى الظلام؛ والحقّ يُقال إنّ تلك المعركة قائمة مذ بدأ الله يُرسل أنبياءه في العهد القديم، حيث عانى قدّيسو الله الاضطهاد: "ذاقوا الهُزءَ والسياطَ والقيودَ والسجن. رجموا، نشروا، امتحنوا، ماتوا بحدِّ السيف، ساحوا في جلودِ الغنمِ والمعزِ، معوزينَ مضايقينَ مجهودين تائهينَ في البراريِّ والجبالِ والمغاورِ وكهوفِ الأرض". ولم يثنهم كلّ ذلك عن عزمهم؛ فقدّيسو العهد القديم كان فيهم أيضًا روح المسيح، وهو الروح عينُه الذي ناله أولئك الذين بشّرونا (1 بطرس 10:1-12).
وهم ما فعلوا ذلك إلاّ لتبلُغ العنصرة إلينا، بكلّ قوّتها الإلهيّة وعصف الروح، وجُرأة لا تكترث للاضطهاد والجوع والعطش والقهر والمذلة والمهانة، ولا تهاب الآلام والجراح والنَّزف والموت. لأنّ المعركة ضدّ قوى الشرّ والظلمة تستمرّ بنا، نحن الذين تناهت إلينا أواخر الأزمنة، حيث ظُلمة الليل حالكة وشديدة السواد كثر من أيّ وقت مضى، وحيث "الساعة هي الليل بعد الليل والنصف."
لكن قال الشاعر أيضًا: "الباب مفتوح... من الصباح إلى الصباح إلى الصباح والنصف".[3] فكما أنّ في مملكة الشرّير ظلمة لا تفوُقها ظُلمة، كذلك في عنصرة المسيح، وكلامه الإلهيّ، وروحه القدّوس، وبشارة أنبيائه ورُسُله القدّيسين، نور لا يفوقُ لمعانه وبهاءه نور، ولا تستطيع الظُلمات أن تتجاوزه أو أن تتغلّب عليه (يوحنا 5:1).
فليتنا، نحن المؤمنين، نُدرك عظَمة النور الذي فينا، ونعي أنّ مسؤوليّتنا هي الجهاد بكلّ ما أوتينا من قوّة أُعطيت لنا حين استنرنا بسرّ العماد المُقدّس، فنلنا الروح الإلهي، ذلك الروح عينه الذي ناله الرُسُل يوم العنصرة. ولنشكر الله ولنحمّده لأنه، بذلك الروح الذي فينا، منحنا الغلَبة على ظلمة هذا العالم، بالمسيح يسوع ربّنا، الذي له التسبيح والمجد والإكرام والسجود مع أبيه الأزليّ وروحه القدّوس إلى الدهور. آمين.
أرسلها إلى آخَرين.
.Forward it
للحصول على العظة بالإنترنت أكتب إلى:
Fr. Antoine John Lattouf,
ajlattouf@yahoo.com - ajlattouf@hotmail.com
Greek Catholic Priest at Beit El- Sha’aar, Metn , Lebanon ,
Res. 00961-4-914331; Cell. 00961-3-803271,
P. O .Box 901, Beirut, Lebanon .
[1] أنسي الحاج، ماذا صنعت بالذهَب، ماذا فعلتَ بالوردة، دار النهار، 1970، ص 45.
[2] أنسي الحاج، الموضع عينه.
[3] أنسي الحاج، الموضع عينه.
|