القائمة

المنتدى              مركز نور الشرق            سجل الأصدقاء

آخر الأخبار


إعلانـــات


أُبصر الناس كأشجار يمشون’’ - الأحد السابع بعد العنصرة - عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف - بيروت

 

 

 

القبر الفارغ الذي ملأ فراغ حياتنا

الأحد الثالث للفصح

أحد حاملات الطِّيب (مرقس 43:15-8:16)

 

  http://www.holymyrrhbearers.com/images/icons/Myrrhbearers_new_iconOL.jpg

 

عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف

خاص نور الشرق - لبنان

  

 هائلٌ الفراغ الذي يتركُه غياب شخص عزيز. يُخيِّم علينا إحساس بعدم جدوى الحياة ونُدرك كم كُنّا حَمقى لأن نُراهن على ديمومتها. فالماضي والمُستقبَل ليسا سوى طريق للموت.

"غدٌ، ثمّ غدٌ، ثمّ غدٌ آخَر/ ينسلّ بوتيرة رتيبة من يوم ليوم/ حتى المفصل الأخير من الزمن المحتوم. كلّ أمسٍ مرّ علينا أضاء للحَمقى/ الطريق إلى موتٍ يعلوه الغُبار". والحَمقى هم الذين لا يُدركون فراغ الحياة وقِصَر أمدِها.

فالحياة شمعة لا تدوم ولا مُبرِّر لبقائها: "اخمدي، اخمدي، يا شمعةً وجيزةَ الأمَد/ فالحياة ظلّ عابر، أو مُمثِّل شقيّ/ يتسكَّع ساعةً على الخشبة/ ثمّ لا يسمعُه أحد؛ إنها قصّة يرويها معتوه، مليئة بالصخَب/ ولا تعني شيئًا".

بهذا هتف ماكبث Macbeth حين ماتت زوجتُه. ولو عَبَّرت المجدليّة شعِرًا لفاقت شكسبير بلاغةً. فيسوع كان الشخص الوحيد ذو القيمة في ماضيها، ومعنى حاضرها، ورجاء مُستقبلها. كانت مُعذَّبة بسبعة شياطين أخرجها منها، فكرّست له حياتها (لوقا 2:8-3). ومع دفنه دفنت رجاءها (مرقس 47:15). غيابُه ترك في قلبها فراغًا. فرهيبٌ أن يكون الموت هو النهاية. يلغي ما قَبلَه، لأنه ما معنى أن نوجَد ثمّ نفنى؟ ويلغي ما بعدَه، فلا شيء هناك سوى العدَم.

حين رأى جلجامش الموت لأوّل مرّة، هتف مذعورًا: "كيف أخلُدُ إلى السكينة؟ صديقي الذي أحببتُ صار طينًا. أأضطجعُ مثلُه فلا أنهضُ إلى الأبد؟ حين أموت هل أكون مثل إنكيدو، يدخُل البِلى أحشائي؟ هل يجعلُ الزمن كياني يتآكَل، ويسلبُني أهلي وأصدقائي، وأخيرًا حياتي؟ بعدما همتُ على وجهي في البراري، أأضع رأسي في باطن الأرض لأنام عبر السنين"؟

الفراغ الذي يتْرُكُه غياب الآخر ينسلّ إلينا. فليس الحُزنُ لغيابه مُغضِلتُنا وحسب، بل يقينُنا أنّ ذلك الفراغ سيبتلِعُنا. يبتلعُ أفكارنا وأحاسيسنا وذكرياتنا وحتى أسرارنا. نخسر أهلنا وعلاقاتنا ولا نعود قادرين على أن نُحبّ أو أن نملك شيئًا.

الموت كارثة وجودنا. إنه العدَم يُطبِق علينا. والكائن البشريّ مذ عاين الموت، مسكونٌ بالذُعر. فقاين حين قتل أخاه، قتل نفسه؛ رؤيتُه للموت قتلت فيه الحياة. تبدّد اعتقادُه بديمومتها ودّهَمه يقينٌ بموته الذاتيّ وعُبورِه إلى العدَم.

اختبر قاين عبَثَ الوُجود. قال له الله: "تكونُ تائهًا شاردًا" (تكوين 12:4). تَسيرُ على غير هُدى ولا يكون لحياتك معنى. فقاين أحلّ اللعنة بنفسه قبل أن يُنْزِل به الله اللعنة (تكوين 11:4). خوفُه من الفناء جعَله يحيا هائمًا، وبه ذُعر الموت. قال لله: "كلّ مَن وجَدَني يقتلُني" (تكوين 14:4). ومَن يقتُله، ولا بشر هناك؟ لكنّه أيقن أنه مائت لا محالة، ومصيرُه الفناء.

هذا الفناء هيمن على فكر بعض الفلاسفة فانتهوا إلى أنّ الوجود لعنةٌ وشرّ، والحياة عبَث؛ ولا مُبرِّر ولا تفسير لوجودنا، ولا ندري لماذا نحن هنا، الآن. يقول سارتر: "كلّ كائن يولَد بلا سبب ويتمطّى إلى الأمام بضعف ويموت صُدفةً".

لهذا، "الوجود ألم لا يُطاق". يقول كامو Camus: "مَن كان وحيدًا بدون الله، بدون سيِّد، يكون عبء الأيام عليه رهيبًا". ويقول نيتشه: "أن تحيا يعني أن تتألّم". وتصير الحياة من أشكال الموت: "حَذَار القول إنّ الموت عكس الحياة. فالكائن الحيّ هو من فصيلة الأموات". لهذا، الوجود غلطة الله الكُبرى، "والمرأة غلطة ثانية اقترفها الإله".

في غياب الإله، الحياة بلا معنى. يقول سارتر، "المحدود لا معنى له من دون ارتكازه إلى اللامحدود"، "والحياة لا معنى لها لحظة يتبدّد وهم الأبديّة". فتضمحلّ كلّ حقيقة ويمّحي كلّ جوهر. ويقول نيتشه: "ليس هناك وقائع أزليّة ولا حقائق أبديّة"؛ "ولا ظواهر أخلاقيّة، بل تفاسير أخلاقيّة للظواهر. ليس هناك حقائق، بل تفاسير".

وبالنتيجة، لا حقيقةٌ مُطلَقة، ولا فرق بين ما هو أخلاقيّ وغير أخلاقيّ. فما هو حقيقةٌ وأخلاقيّ، ليس كذلك دائمًا. لكنّ هذا يلغي الحقيقة ويلغي الأخلاق. فلو قُلنا إنّ الخير لا يصدُر عنه شرّ، ثمّ قُلنا إنّ هذه الحقيقة نسبيّة، وإنّ الخير يصدر عنه شرّ أحيانًا، نكون قد ألغينا الحقيقة. فالقول بنسبيّة الحقيقة كالقول إنها لا وجود لها.

بهذا تصير أعمالُنا سيّان. وهذا يُفسِّر الفوضى الأخلاقيّة في عصرنا، وظُهور الفلسفات التي تؤلِّه الإنسان وتجعلُهُ غاية ذاته، والمُناداة بالحريّة المُطلَقة والتفلّت من كلّ قيد، والإباحيّة، وعبادة الشيطان. لكنّ عبَث العالَم وهمٌ لا يملأ فراغ القلب بل يزيده خواء. "من حدَّق في الهاوية حدَّقت الهاوية فيه"، يقول نيتشه. والهاوية هي كلّ فلسفة باطلة ومُارسة مُفرَغة من معناها؛ من انهمك بالعبَث صارت حياتُه عبثًا وانتهى إلى الخواء.

والفلسفات القائلة بعبَث الحياة تُلغي نفسها. يقول العدميّون إنّه لا وجود لشيء، ولا يُمكن معرفة الحقيقة، ولا يُمكن قول شيء ذي معنى عن العالم. فلماذا يتفلسفون؟ وإذا كان الوجود بلا معنى، بحسب الوجوديين المُلحدين، ففكرُهم بلا معنى أيضًا. وتقول البوذيّة بفراغ الموجودات من جوهرها، "وفراغ الفراغ"، وفراغ كلّ تعليم. فيُلغون تعليمهم أيضًا.

فعبارة سارتر، "المحدود بلا معنى ما لم يرتكز إلى اللامحدود" تنطبق على الفكر والأخلاق أيضًا. وإلاّ ينتهي الفكر إلى اللامعنى والأخلاق إلى الفوضى. وقد أثبتت العقائد العدميّة والمُلحدة أنها دمار العقل وخراب العالَم. جلبت اليأس والضياع  للقائلين بها، ولمُعتنقيها، فهي شرّيرة ومُدمِّرة، وقد قال الربّ: "من ثمارهم تعرفونهم" (متى 16:7).

وأوّل عبارة في سفر التكوين "في البدء خلق الله السماوات والأرض" (1:1) تعني أنّ الله خلق كونًا ذو معنى ونظام وغاية. لم يخلق خواء أو وجودًا بلا معنى، ولم يكُن فعل الخَلق عبَثًا. "لم يخلقها باطلاً، للخواء، بل للعُمران خلقها" (إشعيا 18:45). وهو "أرسل ابنه إلى العالم ليُخلِّص به العالَم"، ولم يفعل ذلك لخلاص عالَم وهميّ، مُفرَغ من جوهره، ولا قيمة له ولا غاية لوجوده. فعالم كهذا لا يستحقّ أن يتجسَّد الإله ويموت في سبيله.

العالَم ليس عديم المعنى لكنّه أُفرِغ من معناه حين أُفرغ قلب الإنسان من الإله. وليست الحياة بلا جدوى لكنّها جُعِلت كذلك بانهماك الإنسان في ما يُفقد الحياة المعنى. وليس الإلحاد سوى صرخة وجع، تستغيث، في النهاية، بالإله الذي غيَّبته. يقول سارتر: "لا يسعُني إلاّ أن أُنكِر وجود الله. ولا يسَعُني أن أنسى أنّ وجودي بكليّته يهتف مُلتمسًا الله".

إنه خواء العالَم، منذ قايين، يستغيث طالبًا الخلاص. ليس من عقاب الخطيئة وحسب، بل من وجع الفراغ، الذي جَذرُه يقين الفناء. وعبَثًا يهيم مثل قاين، أو مثل جلجامش بحثًا عن نبتة الخُلود. لأنّه في كلّ مرّة يقف عند قبر حبيب أو قريب، يجتاحُه الخُواء عينُه الذي اجتاح قاين.

قبرٌ واحد فقط تبدّد عنده ذُعر الموت والخوف من الفناء. كان فارغًا، لكنّه بفراغه بدَّد كلّ فراغ. لأنّ الذي شَغَر ذلك القبر عاد إلى الحياة، ومنحنا ملء الحياة. "ومن ملئه نلنا نعمةً فوق  نعمةٍ" (يوحنّا 16:1). وبقيامته عرفنا أنّه "لم يبقَ للموت وجود، ولا للحُزن ولا للصُراخ ولا للألم، لأنّ العالَم القديم قد زال" (رؤيا 4:21).

والمجدليّة، حين وقفت عند ذلك القبر، بيأسها وفراغ القلب، عاينت المشهد الذي لم يُغيِّر حياتها وحسب، بل غيَّر الكون وشقلب الزمَن والتاريخ. الحجر الذي غيّب وراءه رجاءها ردُحرج، وخاطبها ملاكٌ قائلاً: "قد قام، ليس هو ههُنا. وها الموضع الذي وضعوه فيه". كان الموضع خاويًا. لكنّ ذلك الخواء ملأ كيانها بالرجاء، وأعطى حياتها قيمة وغاية ومعنى، من جديد.

فراغ القبر ملأ أيضًا فراغ قُلوبنا وأعطى قيمة ومعنى لحياتنا. فذلك الفراغ يعني أنّ الربّ حيّ، وبقيامته وحياته نحيا نحن أيضًا. وقيامتُه هي عربون قيامتنا، ويقينُنا أنّ الفناء لا وجود له، وأنّ الحياة التي منحنا إياها بقيامته هي أبديّة. وقد شاء الإله أن يولَد المعنى الذي بالقيامة في قلب المرأة أولاً، لأنّ المرأة التي تحمل الحياة وتُعطيها، لا بُدّ من أن تُعطي مع الحياة معناها، الذي بدونه تصير الحياة عبئًا وعبثًا وجحيمًا لا يُطاق.

نحن الذين رأينا قيامة السيّد وحصلنا على ملء الحياة، الذي بالقيامة، فلنتمسّك بتلك الحياة، ولنشهد لها، فلا يبقى في حياتنا مكان لليأس والقُنوط وانعدام المعنى وانعدام الرجاء. ولنحذَر كلّ فكر خبيث يُبعِدُنا عن يقين القيامة والشهادة لها، وكلّ عبَث يُصيبنا بفراغ القلب.

نحن أبناء القيامة، ورسالتُنا أن نحمل بُشراها إلى العالم، علّه يُشفى من عبثيّته وعدميّته ويأسه وانقطاع رجائه. فالعالم يكاد يبدو كأنّه فقاعة هائلة من الفراغ، وتُعوزه معرفة المسيح. وأن نكون شهود القيامة يعني أن نكرز بالرجاء، ونُعلِن أنّ للحياة قيمة وغاية ومعنى، وأننا نملك مُنذ الآن ملء الحياة بالمسيح، "الذي به نحيا ونتحرّك ونوجد" (أعمال 28:17)، له المجد والتسبيح والسجود إلى الدهور. آمين.

  المراجع:

2.                   William Shakespeare, Macbeth, act 5, scene 5.

3.                   أنيس فريحة، ملاحم وأساطير من الأدب السامي، دار النهار، بيروت، طبعة ثانية، 1979.

4.                   Emptiness in Buddhism, http://www.thebigview.com/buddhism/emptiness.html

5.                   ”Looking for the Meaning of Life”, http://www.tc.umn.edu/~parkx032/CY-MEAN.html"

6.                   http://www.brainyquote.com/QuotesQuotes from Sartre, Nietzsche, and Camus,

 

أرسلها إلى آخَرين.   Forward it.

للحصول على عظة الأحد بالإنترنت أكتب إلى:

ajlattouf@yahoo.com - ajlattouf@hotmail.com

Fr. Antoine John Lattouf,

Greek Catholic Priest at Beit El- Sha’aar, Metn , Lebanon ,

Res. 00961-4-914331; Cell. 00961-3-803271,

P. O .Box 901, Beirut, Lebanon .

 

 

برنامج ورشة سينودس الشرق الاوسط - الآنسة كلير السعيد منسقة إقليم الشرق الأوسط
مـــؤسسـة وعــــــــي(ثقافة تعايش سلام) أحلام سامي طاشمان - مراسلة نور الشرق للروم الكاثوليك في الأردن - نور الشرق - الزرقاء
أيها الزوجان حافظا على أسرتكما -اقتباس الأب أنطوان يوحنا لطّوف - خاص نور الشرق - لبنان
العالَم المقلوب - الأحد الخامس بعد العنصرة -عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف - بيروت خاص نور الشرق- لبنان
لكنائس الشرقية تشارك كهنة العالم في ختام السنة الكهنوتية - نور الشرق – روما

اشترك في خدمة الأخبار

البريد الالكتروني

  

صوّت

هل تؤيد فكرة التواصل الفكري والديني عبر الإنترنت

1. نعم

2. لا

email:
         

Copyrights © Nour Al Sharq 2007
Webdesign and development by
Virgo Production

مشاركة رعوية لمعاجة بعض قضايا سينودوس الشرق الأوسط2010 - الاب مودي هنديلة/ كاهن رعية مار الياس – جبل الحسين


تصدير المياه من موقع المغطس يعود بعد انقطاع استمر قرنا