|
الأحد السابع بعد العنصرة
"أضاء سِراجَه على رأسي وبنوره سلكتُ الظلمة"
(أيوب 3:29)
عظة الأب أنطوان يوحنا لطّوف - بيروت
خاص نور الشرق - لبنان
عندما أقام الله عهده مع آدم كان الكون مليئًا بالنور. وقد سبق الله فقال "ليكُن نور" (تكوين 3:1).
وعندما انحدر آدم إلى الظُلمة عزم الله أن يُقيم مع نسله عهدًا جديدًا. فأمر موسى أن يجعل لوحَي الوصايا في تابوت أسماه تابوت العهد. وأمره أن يصنع خيمة للتابوت (خروج 25:16) ويصنع للخيمة منارة ذات سبعة سُرُج من ذهب خالص (31:25-40). وطلب الله من الشعب أن يُقدِّموا زيتًا لأجل المنارة (6:25؛ 28:35).
هكذا شاء الإله أن يكون النور علامة عهده وحضوره بين شعبه وليُفهمهم أنّ قُلوبهم يجب أن تبقى مُتّقِدَة بمحبّته. وهذا ما أشار الله إليه حين طلب منهم أن يُقدِّموا زيتًا للمنارة.
وكانت المنارة هي النور الوحيد حيث لم يكُن للخيمة نوافذ لكي يعلم الشعب أنّ الله نورهم الأوحد وأنهم بحفظهم وصاياه يسلكون في النور ويغلبون ظُلمة العالَم.

فحين كان الشعب مُطيعًا لله وهبهم الغلَبة. بالنور المُنبعث من قُلوبهم حقّق الشعب الغلَبة على ظُلمة الوثنيّين. فالكتاب يقول إنّ خيمة الشهادة كانت مع الشعب في البريّة وبها فتحوا بلاد الأمم التي طردها الله من أمامهم (أعمال 44:7-45). والشهادة تعني الشهادة لله بأنّه الإله الحقيقيّ.
وقد شهد أيوب أنّه بنور الله غلَب الظُلمة، قال: "أضاء مصباحه على رأسي وبنوره سلكتُ الظُلمة" (3:29). والمصباح هو المنارة ذات السبعة سُرُج يوقدها الربّ على رؤوس مُتّقيه ليصير كلٌّ منهم منارة لله بالروح.
لهذا قال الكتاب "روح الإنسان سراج الربّ" (أمثال 27:20). وفي ترجمة أُخرى "الربّ يُنير ضمير الإنسان". فمَن اقتبَل نور الإله صار للربّ سراجًا واللهُ يُنير عقله وضميره فيُميِّز الحقّ من الباطل.
لكن كان زمن حيث فترت محبّة الشعب لله كما حدث أيام صموئيل النبيّ. "فكانت كلمة الربّ نادرة والرؤى قليلة" (1صموئيل 1:3) لكثرة العبادات لآلهة غريبة ولتماثيل البعل والعشتاروت (1صموئيل 3:7-4).
وكان صموئيل صبيًّا يخدم الربّ بإشراف عالي الكاهن. "وفي إحدى الليالي كان عالي نائمًا وابتدأت عيناه تضعُفان فلم يقدر أن يُبصر. ومصباح بيت الله لم ينطفئ بعدُ وصموئيل نائمًا في الهيكل [الخيمة] حيث تابوت العهد" (1صموئيل 2:3-3).
في عصر حيث تفشّت الخطيئة لم يعُد الربّ يُنير شعبه. حتى الكاهن غلبته إغفاءة وكلّت عيناه ولم يعُد يُبصر لأنّ أبناءه "كانوا بني بليعال" وقد ارتكبوا الموبقات في حضرة الربّ ولم يعمل الكاهن على تقويمهم (1صموئيل 12:2-17 و22-24 و13:3-14). أما قول الكتاب إنّ عالي شاخ جدًا فيعني شيخوخة شريعة موسى وهي بعدُ في المهد "لأنّ الله سبق فهيًّا لنا نصيبًا أفضل" (عبرانيين 40:11).
كانت منارة بيت الله لم تزَل مُشتعلة في خيمة الشهادة عندما خاطب الربّ صموئيل لأنّ نور الله لا يخبو. وشاء الربّ أن يضيء سراجه على رأس صموئيل الذي "لم يكن قد اختبر الربّ ولم يكُن كلام الربّ قد أُعلن له" (1صموئيل 7:3).
دعا الربّ صموئيل ليلاً أي في ظُلمة الخطيئة لكي يجعله نورًا لقومه وشهادة للعالم. ثلاث مرّات دعا الربّ صموئيل رمزًا إلى الثالوث. وكلّمه في المرّة الثالثة رمزًا إلى الإله الكلمة الذي هو نور الجالسين في الظلمة وظلال الموت" (لوقا 79:1).
اعتقد أولاً أنّ عالي يُناديه لكن قال له عالي "إن دعاك أيضًا فقُل تكلّم يا ربّ إنّ عبدك يسمع" (9:3). ودخل نور الربّ في أذُنَي صموئيل ومعنى اسمه سامِعُ الله. واضطرم عقله وقلبُه بنور معرفة الإله ليصير منارة في هيكل الله. واندفق نور الإله من فمه ليصير شاهدًا على حضور الله بين شعبه وشهادة للأمم.
وكما خاطب الربّ شعبه في زمن انحطاط عظيم أيام صموئيل النبيّ (قُضاة 19:21-21) وقد خبا النور في قُلوب كثيرين، كذلك "خاطبنا في هذه الأيام، وهي آخِر الأيام، بلسان الابن الذي جعله وارثًا لكلّ شيء وبه أنشأ العالَمين وهو شُعاع مجد الله وصُورة جوهره" (عبرانيّين 2:1-3).
هو لذي رآه يوحنّا "وقد أضاء وجهه كالشمس في أبهى شُروقها" (رؤيا 16:1) "وعيناه كشُعلة مُلتهبة" (رؤيا 14:1) وقد أحاطت به سبعُ منائر من ذهب (رؤيا 12:1). وكان "في يده اليُمنى سبعة كواكب" هي كنائس الله السبع (رؤيا 15:1 و11) وقد اتخذت شكل المنارة الأولى التي أقامها الله على يد موسى في خيمة الشهادة أمام تابوت العهد.
بهذا صار الابن هو الهيكل وتابوت العهد الجديد والمنارة الأعظم التي مُستقرُّها لا على الأرض بل في السماء (رؤيا 19:11). وهو يُسميّ نفسه "صاحب أرواح الله السبعة والكواكب السبعة" (رؤيا 1:3)، أي أنّه رأس الكنيسة التي هي منارة العالَم الحاضر والدهر الذي سيأتي.
وكلّ مؤمن بالمسيح هو بروحه سراج للرب: "انتُم نور العالَم. لا يوقَد سِراج ويوضَع تحت مكيال بل على المنارة ليضيء لجميع الذين في البيت" 0متى 14:5-16). والمنارة هي المنارة ذات السبعة سُرُج التي أعطاها الله لموسى. فكلّ مؤمن هو منارة في هيكل الله وجزء من المنارة الأعظم أي الكنيسة، والمسيح رأسُها.
والبيت هو الكنيسة والعالَم ونُفوس المؤمنين والبعيدين عن الربّ في آن. فكلّ مؤمن هو كوكب في سماء الملكوت. وكما تُنير الكواكب بعضُها البعض كذلك نفوس المؤمنين التي اقتبلت نور الإله تضيء بعضُها بعضًا وتؤازر بعضُها بعضًا. وهذا معنى قوله: "فليُضئ نورُكم للناس ليروا أعمالكم الصالحة ويُمجِّدوا أباكم الذي في السموات".
لهذا دعانا الرسول بولس لأن نكون "أبناء الله بلا عيب في وسط جيل مُعوجّ ومُلتو تُضيئون بينهم كأنوار في الكون" (فيلبي 15:2). وليس المؤمنون هم أنوار هذا الدهر وحسب بل أنوار العالَم الآتي أيضًا. ويُخبرُنا دانيال النبيّ إنّه في القيامة "الفاهمون [الذين حصّلوا نور المعرفة الإلهيّة] يُضيئون كضياء جلَد السماء والذين ردّوا كثيرين إلى البرّ يُضيئون كالكواكب إلى أبد الدهور" (دانيال 12:3).
مَن هو "أصلُ داود وذُريّتُه وكوكب الصُبح الساطع" (رؤيا 16:22) يُريد كلاً منّا أن يكون منارة في هيكل الله. بذلك نغلب وننال أجر الملكوت: "مَن يغلب فسأجعلُه عمودًا في هيكل إلهي" (رؤيا 12:3). والعمود هو عمود من نور. لأنّ أورشليم السماويّة "بها غنى عن ضياء الشمس والقمر لأنّ مجد الله أضاءها والحمَل قام مقام مشعلها ولا ليل فيها" (رؤيا 22:21-25).
تلك هي برَكة النور التي أعطاها الله لموسى وشعبه استباقًا لنور الملكوت الآتي: "يُباركُك الربّ ويحفظك. يضيء الربّ بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الربّ وجهه نحوك ويمنحك السلام" (عدد 24:6-26).
كان موسى أوّل مَن تلقّى بركة النور تلك. وهو أبصر نور الله في العلّيقة المُلتهبة فاضطرم قلبُه بحبّ الإله. فهل تضطرم قُلوبُنا أيضًا لكي نقبل تلك البرَكة فيضيء الله مصباحه على رؤؤسنا ونسلك الظُلمة في نوره" ونصير أنوار هيكله ونحمل نور المسيح إلى الآخرين. آمين.
|