|
موعظتان للأحد السادس بعد العنصرة
"لكن ما حيَّر العقلَ..."
شفاء مُخلَّع كفرناحوم
الأحد السادس بعد العنصرة
(متى 1:9-8)

عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف - بيروت خاص نور الشرق- لبنان
"ركب السفينة وعبَر إلى مدينته". الذي موطنه السموات أتى أرضنا وجعلها له مدينة. "الكلمة صار جسدًا ونصب خِباءه بيننا" (يوحنّا 14:1). أرضُنا صارت سماء. "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عجيبًا والجالسون في بُقعة الموت وظِلاله أشرق عليهم نور" (متى 14:6).
جاء يُحرِّرنا من الخطيئة: "ستلدُ ابنًا فسمِّه يسوع لأنّه يُخلِّص شعبه من خطاياهم". (متى 21:1). وسار يوحنّا "أمام الربّ يُعِدُّ طُرُقه ويُعلِّم شعبه الخلاص بغُفران خطاياهم" (لوقا 67:1-77)، تحقيقًا لنبوءة أشعيا: "جُرح لأجل معاصينا وسُحِق لأجل آثامنا... ألقى الربّ عليه إثم كلِّنا" (أشعيا 5:53-6).
قال للمُخلّع "مغفورة خطاياك". وكان أعداؤه في قلب مدينته! كيف ظهروا، من أين أتوا، ولهم في كلّ وقت عُيون تَرقُب! يُصرّون على مُعاداته لأنّه يغفر ويشفي.
قالوا "يُجدِّف". فلا ألم وموت بدون خطيئة، ولا شفاء بدون مغفرة، والله وحده يغفر الخطايا. لم يكن عنده، حتى اللحظة، برهان أنّ خطايا المُخلَّع غُفِرت. لكنّهم رأوا آياته مُنذ قانا ولم يسألوا كيف أتى بها. فالأعداء لا يُقرّون بمواهب عدوّهم ولا يُقدِّرون إنجازاته ولا يُكافئونه على إحساناته بل يُشوِّهونها ليدينوه لأجلها.
واستمرّوا في عدائهم بعدما بذل نفسه. لم يُدركوا أنهم جميعًا خطأة (رومة 23:3) وبحاجة للمجيء إليه لينالوا المغفرة بدمه وشفاء نُفوسهم. وبينما شُفي المُخلّع ورأى الخلاص أعموا عُيونهم فكانوا هُم المُخلَّعون.
عَلِمَ أفكارَهم. "لماذا تفكرون بالشر"؟ لأنهم أساءوا به الظنّ. فإن لم يكن قادرًا على مغفرة الخطايا فهو مُخادع، وبالتالي، أضمروا له تحدِّيًا ليُثبتوا عجزُه ويُشهِّروه. وبجوابه يقول "بل أنتُم تُجدِّفون"، رغم أنهم لم يقولوا شيئًا، فخطيئة القلب تكفي. وقراءتُه لأفكارهم آية أُخرى لم ينظُروها.
فكروا في قُلوبهم: "الكلام سهل". أجابهم: "ما الأسهل أن يُقالَ مغفورة خطاياك أم قم وامشِ؟ لتعلموا أنَّ لابن البشر سلطان غفران الخطايا قال للمخلع انهض احمل فراشكَ واذهب إلى بيتك".

وخسئوا. هل تكلّم الكتاب عنهم حين قال: "ضربتَ المُعادين لي بلا سبب" (مزمور 8:3)؟ لم ينالوا الشفاء لأنّ علاج النفس يتطلَّب غُفران ما في القلب. أما هم فقال لهم "أنتُم ثابتون في خطيئتكم" (يوحنا 41:9). ولم تنخسهُم قُلوبهم ولم يشعُروا بحاجة للتوبة بل رغبوا في الانتقام لهزيمتهم. وعرف أفكارهم لكنّهم لم يعرفوا فكره تُجاههم ورغبتَه في أن يُقبِلوا إلى الحقّ.
وإذا كانوا يُعادون الله، فهل يرحمون البشر؟ لم يُريدوا أن تحدث المُعجزة لأنّ لهم فيها هزيمة. ولم يفرحوا لشفاء إنسان، وما اكترثوا لخلاصه. هكذا شريعة موسى: "الحرف يُميت والروح يُحيي" (2قورنتس 6:3). لكن بمُعاداتهم لله يُعادون أنفُسهم ويطعنون خلاصهم. إنّه الجنون المُطبِق: "أنُريد أن نُثير غَيرة الرب؟ هل نحن أقوى منه"؟ (1قورنتس 22:10).
بعدها "بلغ حقدهم عليه مبلغًا شديدًا فاستدرجوه في أمور كثيرة، ينصبون المكايد ليصطادوه بكلمة" (لوقا53:11). وفي كلّ مواجهة كانت النُّصرة له "فخزي جميع مُقاوميه" (لوقا 17:13). وفي كلّ معركة خسروها "تآمروا ليُهلكوه" (متى 14:12).
ونعجب أن يكون له أعداء لأنّه جاء لخلاص الكلّ. لكنّ عداوة الله أصلُها الشهوة. اشتهاء حوّاء ما حرّمه الله انتهى بالعداوة. قال للمرأة "أجعل عداوة بين نسلكِ ونسل الحيّة" (تكوين 3:15). ونسل المرأة المسيح ونسل الحيّة العائشون بشهوتهم في العالَم، "يسيرون سيرة أعداء الصليب، إلهُهم بطنُهم" (فيلبي 3: 19). لهذا قال "إنّ صداقة [شهوة] العالم عداوة لله" (يعقوب 4:4) لأنّ "كلّ ما في العالَم من شهوة... ليس من الآب بل من العالَم" (1يوحنا 16:2).
والعداوة قديمة والمعركة طاحنة مُنذ الفردوس، بدءًا من عالَم اللامنظور. "كانت حرب في السماء. ميخائيل وملائكته حاربوا التنّين وملائكته" (رؤيا 12: 7). حرب في الكنيسة والعالم والنُفوس. وقول الرسول "هَدَمَ بجسده العداوة" (أفسس 15:2) يعني أيضًا العداوة التي نشأت في البدء.
ونحن أيضًا نتصرّف كأعداء لله لشهوة نُفوسنا. لأنّ "نزَعات الجسد عداوة لله" (رومة 7:8). وقول الرسول "صولحنا مع الله بموت ابنه ونحن أعداء" (رومة 10:5) يعني صولحنا حين كنّا خَطَأة (رومة 12:5). فهل نُعاديه ثانيةً لشهوتنا؟
إنّ تحوّل الأصدقاء إلى أعداء خيانة. لهذا قيل "إحذر عدوّك مرّة واحذر صديقك كلّ مرّة". لأنّ طعنة الأقربين أكثر إيذاء. كذلك كانت طعنة يهوذا. وحين طعن المُتآمرون القيصر كان بينهم أقرب الناس إليه، بروتس. ودوَّت صرخةٌ عبر التاريخ: "حتى أنتَ يا بروتُس"![1]
غنّى الشعراء ليلى مُنذ قيس. وأخيرًا قال أحدُهم: "لكن ما حيَّر العقلَ حتى بَرَاهُ الجُنونُ/ أنّ ليلى التي مُتُّ في حُبِّها ألفَ عامٍ تخونُ".[2] تخون لشهوة نفسها، كما نحن. أحبّنا ألفا عام ونخون!
والعركة تحدث في القلب. أعداء الإنسان أهل بيته (متى 36:10) أي بيته الداخليّ. القلب ساحة عراك بين حقّ الله والشرّير. عدوّنا في قلب مدينتنا ونحن بحاجة لأن يعبُر ربّ المجد إلى قلبنا ليُخزي أعداءه ويُسكت مُقاوميه.
والنُّصرة النهائيّة له: "قال الربّ لربّي اجلس عن يميني فأضع أعداءك تحت قدميك" (مزمور 1:109). المعركة تستمرّ مدى التاريخ ويحسمُها بمجيئه الثاني حيث يُطرح الشرّير وأعوانه في مُستنقَع النار (رؤيا 8:21).
والذي غَلَب العالَم والشرّير فلنسأله أن ينتصر في قُلوبنا، ونكون أُمناء له فلا نحيد عن الطريق. وإنّه لمؤلم أن يكون للإنسان أعداء، لكنّ المؤلم أكثر أن يُعادي المرء نفسه. وكلّ شهوة عداوة وكلّ خطيئة خيانة له ولنا وطعنة لخلاصنا.
فلنأتِ إليه بصفاء القلب لئلاّ يكون وقع أقدامنا كوقع أقدام حوّاء في الفردوس، أو يهوذا في البُستان، أو بروتُس، أو ليلى التي خيَّبت الشُعراء ومُحبّيها. ولنسأل الذي حمَل صليبه أن يقول لنا احمل فراشك، فننهض من خَلَع نُفوسنا وسُقم أرواحنا.
وبأمانتنا نهزم الشرّير كما قال الكتاب، "غلَبوه بدم الحَمَل وكلمة شهادتهم" (رؤيا 10:12). وللذي منحَنا غَلَبةً بدمه ونُصرةً بصليبه وخلاصًا بقيامته، المجد والعزّة والإكرام والتسبيح والسجود إلى الدهور. آمين.
الأحد السادس بعد العنصرة
شفاء المُخلَّع (متى 1:9-8)
غريب في بيت بلا سقف

عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف - بيروت خاص نور الشرق- لبنان
(تستند هذه العظة إلى رواية أناجيل لوقا ومرقس ومتى)
ماذا يعني أن تكون وسط تلك الجموع وتكون غريبًا.
عندما أبحر يسوع إلى بُقعة الجدريّين كان يعلم أنّهم سوف يطردونه. لكنّه ارتضى المهانة لأجل رجُل غريب سكن القُبور ردّه يسوع من غُربته قائلاً "إرجع إلى بيتك وأهلك ".
عاد ساكن القُبور إلى بيته وأهله. أما يسوع فحمل غُربته ومضى ولم يشعُر بالمرارة "لأنّه يعلم ما في الإنسان".
"ركب السفينة واجتاز إلى مدينته" (متى 1:9). فقد كان له مدينة وبيت. لكنّه كان مُزدرى في وطنه غريبًا بين قومه الذين قالوا إنّه شارد العقل (مرقس 6:4-7).
لهذا فقولُه "ليس لابن الإنسان مكان يُسند إليه رأسه" (متى 20:8) لا يعني أنّه لم يكن له بيت بل يعني غُربته عن بني البشر. إنّه نسل إبراهيم أبو الغُرباء الذي قال له الله "أخرج من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك". فيسوع وريث غُربة مثلّثة، عن الأرض والعشيرة والبيت.
وقال الله لإبراهيم "إعلم يقينًا أنّ نسلك سيكونون غُرباء في أرض ليست لهم" (تكوين 13:15). ويقول بولس المغبوط إنّ عبارة نسلك تعني المسيح (غلاطية 16:3) الذي تحقّقت فيه الغُربة القُصوى.
جاء يسوع الغريب إلى مدينته التي هو فيها غريب. وسُمع أنّه في بيت فجاء كثير من الناس وأتى الكتَبة والفريسيّون وعُلماء الشريعة من جميع قُرى الجليل واليهوديّة وأورشليم. وكانوا جلوسًا (رغم الازدحام!) أي في وضعيّة تعليم وعلامة سُلطان. وكم كان يسوع غريبًا عنهم وعن تعليمهم وسُلطانهم.
وإذا مُخلّع يحمله أربعة أتوا ونقبوا السقف. ولم يعُد البيت بيتًا. لكن السيِّد لم يُمانع لأنّه كان مُعتادًا أن يكون بلا سقف أي بلا أهل ولا مدينة ولا أرض. وكان انفتاح السقف رمزًا لانفتاح باب السماء بالمسيح لمغفرة الخطايا. لهذا قال للمُخلّع "أيُها الإنسان مغفورة خطاياك" (لوقا 20:5). وعبارة "الإنسان" في هذا المقام هي ذات مغزى.
أما الفريسيّون فقد وجدوا كلام هذا الرجُل الغريب غريبًا عن تعليمهم. فبعُرفهم هذا كلام كبير وخطير لأنّ الله وحده يغفر الخطايا. ولأنّ شريعة موسى توجِب تقديم الذبائح ولا مغفرة بلا إراقة دمّ. أما المغفرة بسبب الإيمان وحسب فاعتبروها تجديفًا وتعليمًا غريبًا يصدر عن مُعلِّم غريب.
والأغرب أن يعرف هذا الغريب أفكارهم. قالوا في نُفوسهم "هذا يُجدِّف". أما هو فلم يقُل لهم "لماذا تُفكّرون أنّي أجدّف" بل "لماذا تُفكّرون بالشرّ" (متى 9:4). بهذا كشف أفكارهم مرّتَين: أولاً أنهم فكروا أنه يُجدِّف وثانيًا أنهم أضمروا الشرّ وقد تداعوا من كلّ ناحية ليكيدوا له وليجدوا على تعليمه مأخذًا.
ظنوا أنّه يستحيل عليه أن يغفر الخطايا فأثبت لهم بالفعل لا بالقول أنّ ذلك ليس عسيرًا عليه: "ما الأيسر أن يُقال مغفورة خطاياك أم قُم وامشِ. لكن لتعلموا أنّ لابن الإنسان سُلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمُخلّع لك أقول قُم احمل سريرك واذهب إلى بيتك".
بهذا أثبت لهم بالقول والفعل أنّه ابن الإنسان، وله سُلطان مغفرة الخطايا، أي أنّ له سُلطانًا على كلّ بشر. أما قولُه "لابن الإنسان سُلطان على الأرض أن يغفر الخطايا" فكلام يُهدِّد سُلطانهم، خُصوصًا وأنّه قال ذلك علَنًا أمام الجُموع. فمهما كان سُلطانُهم عظيمًا لن يبلُغ حدّ مغفرة الخطايا.
لهذا فغيظُهم من كلامه ليس سببُه غيرتُهم على الشريعة بل خوفهم على سُلطانهم، وقد أفحمتهم الأعجوبة وأبكمتهم. وليس خوفُهم على الشريعة سوى خوف على أداة يستعملونها ليكون لهم سُلطان على الناس.
وفي قوله "لماذا تُفكِّرون بالشرّ" دينونة لهم. فالشرّ أن لا يعترفوا به إلهًا وربًا وذا سُلطان على كلّ بشر. والشرّ الأعظم مُحاربتهم كلامه ومُحاولتهم إظهار معجزاته أنها باطلة رغم رؤيتهم الآيات بأمّ العين. وإذا كان قد أثبت لهم أنّه يملك سُلطان مغفرة الخطايا وأنّ له سُلطانًا على كلّ بشر، فرفضهم لذلك السُلطان عمدًا هو ما أسماه يسوع التجديف على الروح القُدس.
لهذا فكما تحدّوا سُلطانه تحدّى سُلطانهم. ولم يكتفِ بأن يقول للمُخلّع "قُم وامشِ" بل "قُم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك". فهل من الضَّروريّ أن يحمل فراشه؟ ألا يكفي أن يقوم ويمشي لكي تثبُت الأعجوبة؟
الأغلب أن اليوم كان سبتًا. ويسوع بقوله للمُخلَّع "احمل سريرك وامشِ" يتحدّى سُلطان الفريسيّين ويهزمهم لأنّ المُخلَّع لم يُبالِ بسُلطانهم ولم يُقم وزنًا لحضورهم ولم يخشَ العاقبة. فحمل سريره ومضى أمام أعيُنهم وأعيُن الجميع فصار الفرّيسيّون هزءًا ومهزلة، هم والشريعة التي يُمثِّلون.
لأنّ عُقوبة مُخالفة السبت جسيمة، أقلّها منع المُخالِف من دخول الهيكل. لكنّ يسوع ردّ الكيل للفريسيّين وأثبت بُطلان سُلطانهم وهُزال شرائعهم التي أثقلوا بها الناس من دون أن يُحرّكوها بإصبعهم.
وهو بشفائه المُخلّع يطرح على الفريسيّين سؤالاً جوهريًا حول مدى فعاليّة الشريعة للخلاص. لأنّه إذا كان الخلاص بشريعة موسى فكيف تمّت الأعجوبة خارج تلك الشريعة؟ والأدهى أنّ الأعجوبة أثبتت مغفرة خطايا المُخلَّع. فإذا كانت قد حصلت المغفرة بمعزل عن الشريعة فما جدوى الشريعة؟ وهذا يطرح سؤالاً حول جدوى تمسُّكهم بالشريعة وفرضها على الناس واستعمالها مقياسًا للحكم على تصرّفاتهم، بما في ذلك أقوال يسوع وأعماله.
لهذا شكَّلت هذه الأعجوبة خطرًا على إيمان الناس بشريعة موسى، التي لا تضمن المغفرة ولا الخلاص رغم ما تقتضيه من تقديم الذبائح تكرارًا. وحيث أنّ جُلّ ما يلتمسُه المؤمن هو مغفرة خطاياه والحياة الأبديّة، وحيث أنّ يسوع أثبت بهذه الأعجوبة أن المغفرة والخلاص مُمكنان بمعزل عن الشريعة، فهذه الأعجوبة تُهدِّد الإيمان بالشريعة وتُبرِّر التحوّل عنها نحو الإيمان بالمسيح.
لهذا فهناك مغزى كبير في نهوض المُخلَّع وحمله سريره وذهابه إلى بيته وسط صمت عُلماء الشريعة الذين لم يتجرّأ أحد منهم على أن ينبس ببنت شفة، فوقع عليهم الخزي الذي أضمروه ليسوع.
وتفرّقت الجموع وعاد الفرّيسيّون أدراجهم بخُفَّي حُنين. وبقي الغريب وحده في بيت بلا سقف بعد أن فتح لنا كُوى السماء لمغفرة خطايانا.
وأعاد المُخلَّع الغريب إلى بيته كما أعاد ساكن القُبور. الذي هو "وحده غريب في أورشليم" وغريب بين أهله وقومه ردّ غُربة جنسنا، نحن الذين غرّبتنا الخطيئة عن الفردوس. وهو يبقى شفيع الذين غرّبتهم الخطيئة، وشفيع الغُرباء عن أهلهم وبيتهم ووطنهم، لأنّه يعرف جيدًا كم هو مؤلم أن تكون بين أُناس كثيرين وتكون غريبًا.
[1] ) وليم شكسبير، مسرحيّة "يوليوس قيصر"
[2] ) محمّد علي شمس الدّين
|